محمد سعيد رمضان البوطي

171

فقه السيرة ( البوطي )

القرآن نزلت عتابا لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في ذلك ، وتأييدا للرأي الذي رآه عمر من قتلهم ، وهي من قوله تعالى : ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ [ الأنفال : 67 ] إلى قوله : فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالًا طَيِّباً « 1 » [ الأنفال : 69 ] . العبر والدلائل : تنطوي غزوة بدر الكبرى على دروس وعظات جليلة ، كما تتضمن معجزات باهرة تتعلق بتأييد اللّه ونصره للمؤمنين المتمسكين بمبادىء إيمانهم المخلصين في القيام بمسؤوليات دينهم . ونحن نجمل هذه الدلائل والدروس فيما يلي : 1 - يدلنا السبب الأول لغزوة بدر أن الدافع الأصلي لخروج المسلمين مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، لم يكن القتال والحرب ، وإنما كان الدافع قصد الاستيلاء على عير قريش القادمة من الشام تحت إشراف أبي سفيان ، غير أن اللّه تبارك وتعالى أراد لعباده غنيمة أكبر ، ونصرا أعظم ، وعملا أشرف وأكثر انسجاما مع الغاية التي ينبغي أن يستهدفها المسلم في حياته كلها ، فأبعد عنهم العير التي كانوا يطلبونها ، وأبدلهم بها نفيرا لم يكونوا يتوقعونه وفي هذا دليل على أمرين : الأمر الأول : أن عامة ممتلكات الحربيين تعدّ بالنسبة للمسلمين أموالا غير محترمة ، فلهم أن يستولوا عليها ويأخذوا ما امتدت إليه أيديهم منها ، وما وقع تحت يدهم من ذلك اعتبر ملكا لهم ، وهو حكم متفق عليه عند عامة الفقهاء ، على أن للمهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم وأبنائهم في مكة عذرا آخر في القصد إلى أخذ عير قريش والاستيلاء عليها ، وهو محاولة التعويض - أو شيء من التعويض - عن ممتلكاتهم التي بقيت في مكة واستولى عليها المشركون من ورائهم . الأمر الثاني : أنه على الرغم من مشروعية هذا القصد ، فإن اللّه تعالى أراد لعباده المؤمنين قصدا أرفع من ذلك وأليق بوظيفتهم التي خلقوا من أجلها ، ألا وهي الدعوة إلى دين اللّه والجهاد في سبيل ذلك ، والتضحية بالروح والمال في سبيل إعلاء كلمة اللّه ، ومن هنا كان النصر العظيم حليف أبي سفيان في النجاة بتجارته ، بمقدار ما كانت الهزيمة العظيمة حليف قريش في ميدان الجهاد بينهم وبين المسلمين ، وإن هذه التربية الإلهية لنفوس المسلمين لتتجلّى بأبرز صورها في قوله تعالى :

--> ( 1 ) صحيح مسلم : 5 / 157 - 158 .